![]() |
| أيوب الكعبى |
تعيش العاصمة المغربية الرباط على إيقاع واحدة من أكثر مباريات الجولة الثانية سخونة في كأس الأمم الأفريقية، عندما يستضيف ملعب الأمير مولاي عبد الله المواجهة المرتقبة بين منتخب المغرب ونظيره المالي، في لقاء تتجاوز أهميته حدود ثلاث نقاط، ليصبح صراعًا بين التاريخ والطموح، وبين استقرار مشروع وجرحٍ رقميٍّ مزمن يسعى منتخب مالي لمداواته منذ أكثر من عقدين.
بالنسبة لأسود الأطلس، تمثل المباراة فرصة ذهبية لحسم بطاقة العبور إلى الأدوار الإقصائية مبكرًا للمرة الخامسة تواليًا، في إنجاز لم يعرفه المنتخب منذ تلك المرحلة القاسية بين عامي 2006 و2013 حين ودّع البطولة من دور المجموعات أربع مرات متتالية، وهي حقبة لا تزال حاضرة في ذاكرة الجماهير المغربية كجرس إنذار لا يرغب أحد في سماعه مجددًا.
أما مالي، فتدخل المواجهة محاصرة بلعنة رقمية ثقيلة، عنوانها العجز التام عن تحقيق الفوز في مباريات الجولة الثانية منذ نسخة 2004، حيث خاض "النسور" تسع نسخ متتالية دون أن يذوقوا طعم الانتصار في هذه الجولة، بين خمسة تعادلات وأربع هزائم، في ظاهرة إحصائية تحولت إلى عقدة نفسية حقيقية قبل أن تكون تحديًا فنيًا.
مغرب يبحث عن إنجاز تاريخي جديد
في حال نجح المنتخب المغربي في تجاوز عقبة مالي، فإنه سيضمن رسميًا التأهل إلى الدور الإقصائي للمرة الخامسة تواليًا، وهو إنجاز يعكس حجم التحول الذي عرفته الكرة المغربية خلال العقد الأخير، ويؤكد نجاح المشروع الفني بقيادة وليد الركراكي، الذي أعاد بناء هوية الفريق على أسس الثقة والاستمرارية والواقعية التكتيكية.
إلى جانب ذلك، يطمح رفاق إبراهيم دياز لتحقيق ما يُعرف بـ"الثنائية الافتتاحية"، أي الفوز في أول مباراتين من دور المجموعات، للمرة الرابعة في تاريخ مشاركات المغرب في البطولة، بعد نسخ 2004 و2019 و2021، وهي علامة فارقة غالبًا ما تكون مؤشرًا على مشوار طويل في المسابقة.
الجولة الثانية… ملعب التفوق المغربي
تاريخيًا، يُعد الدور الثاني من دور المجموعات مساحة مريحة للمغرب، إذ خاض أسود الأطلس 19 مباراة في هذه الجولة عبر مشاركاتهم القارية، تجنبوا خلالها الخسارة في 16 مواجهة، محققين 8 انتصارات و8 تعادلات مقابل ثلاث هزائم فقط، ولم يعرفوا طعم الهزيمة في هذه الجولة منذ سقوطهم أمام الغابون في نسخة 2012.
هذه الأرقام تمنح المغرب أفضلية معنوية واضحة، لكنها في الوقت ذاته تفرض ضغطًا إضافيًا للحفاظ على هذا السجل النادر في بطولة لا ترحم.
ركراكي… بين الذاكرة والانتباه للفخ
للمواجهة طابع شخصي خاص بالنسبة لوليد الركراكي، المدير الفني لأسود الأطلس، الذي كان عنصرًا أساسيًا في تشكيلة المغرب خلال نصف نهائي نسخة تونس 2004 أمام مالي، المباراة التي انتهت برباعية تاريخية دون رد، ما زالت حتى اليوم أكبر فوز للمغرب في تاريخ مشاركاته بكأس الأمم الأفريقية، وفي المقابل أثقل هزيمة في تاريخ مالي بالبطولة.
لكن الركراكي يدرك أن التاريخ لا يحسم المباريات، وأن تكرار سيناريو نسخة 2008 يظل هاجسًا حاضرًا في ذهنه، حين فاز المغرب في مباراته الافتتاحية بخماسية مدوية، ثم سقط بشكل مفاجئ في الجولة الثانية أمام غينيا، قبل أن يودّع البطولة مبكرًا. ذلك الفخ لا يريد مدرب الأسود الاقتراب منه مرة أخرى.
مالي… معركة فك اللعنة
على الطرف المقابل، يخوض منتخب مالي اللقاء محاطًا بضغوط تاريخية ثقيلة. فمنذ فوزهم الوحيد في الجولة الثانية عام 2004 أمام بوركينا فاسو، فشل "النسور" في تحقيق أي انتصار في هذه الجولة خلال تسع نسخ متتالية. هذا السجل السلبي الممتد لـ21 عامًا يضع المدرب توم سينتفيت أمام امتحان نفسي قبل أن يكون تكتيكيًا.
المفارقة أن مالي تملك سجلًا مثاليًا في المباريات الافتتاحية، إذ لم تخسر أبدًا في أولى مبارياتها بكأس الأمم الأفريقية، وهو ما واصلته في النسخة الحالية بالتعادل مع زامبيا، ما يمنح الفريق أرضية صلبة للبحث عن انتصار يعيد كتابة التاريخ ويكسر القيد المعنوي.
صراع الثبات والتحدي
المغرب يدخل المواجهة بسجل مذهل في دور المجموعات، حيث لم يخسر في آخر 12 مباراة متتالية في هذا الدور، محققًا 9 انتصارات و3 تعادلات، وتعود آخر هزيمة له إلى نسخة 2017. هذا الثبات يمنحه صفة المرشح الأبرز، لكن كرة القدم الأفريقية لا تعترف بالمنطق الحسابي وحده.
مالي، من جهتها، تدرك أن كسر لعنتها في الجولة الثانية لن يتحقق إلا أمام خصم من هذا الحجم، لأن الانتصارات الكبرى وحدها هي القادرة على تحرير الفرق من سجون الأرقام.
في الرباط، لن تكون المباراة مجرد مواجهة كروية، بل صدامًا بين تاريخ يحاول المغرب ترسيخه، وعقدة تحاول مالي تحطيمها.
بين مشروع يسعى للتأهل المبكر بثبات، وفريق يطارد لحظة تحرر من لعنة عمرها 21 عامًا.
هي مباراة قد تُكتب فيها صفحة جديدة في تاريخ أحد المنتخبين… وقد تُعاد فيها كتابة الماضي بلون مختلف.

