السودان الجريح يحلم عبر كرة القدم

منتخب السودان 

 رغم الحرب المدمّرة التي تمزّق السودان منذ أكثر من عام، ورغم المشاهد القاسية التي يعيشها الملايين من أبناء الشعب السوداني يوميًا، يطل منتخب السودان لكرة القدم، المعروف بلقب "صقور الجديان"، ليقدم واحدة من أكثر القصص إلهامًا في كرة القدم الأفريقية، بعدما نجح في انتزاع بطاقة التأهل إلى نهائيات كأس الأمم الأفريقية 2025 بالمغرب، متحديًا كل الظروف السياسية والإنسانية والرياضية.

المنتخب السوداني يشارك في النهائيات القارية للمرة العاشرة في تاريخه، بعد أن سبق له التتويج باللقب مرة واحدة عام 1970 على أرضه، كما بلغ نصف النهائي في نسختي 1959 و1963، ليؤكد أن حضوره القاري ليس طارئًا، بل امتداد لتاريخ عريق في الكرة الأفريقية.



كرة القدم في قلب العاصفة

منذ اندلاع الحرب السودانية في منتصف أبريل 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، دخلت البلاد واحدة من أسوأ الفترات في تاريخها الحديث، حيث قُتل عشرات الآلاف، ونزح نحو 12 مليون شخص، في مأساة وصفتها الأمم المتحدة بأنها "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

وسط هذا المشهد القاتم، توقّف النشاط الرياضي بالكامل داخل السودان، وتعطلت المسابقات المحلية، واضطر عملاقا الكرة السودانية الهلال والمريخ إلى خوض مبارياتهما في الدوري الموريتاني ثم لاحقًا في الدوري الرواندي للحفاظ على جاهزية لاعبيهما للمشاركات القارية.



طريق شاق إلى النهائيات

لم يلعب منتخب السودان مبارياته في التصفيات على أرضه، بل تنقّل بين عدة دول منها ليبيا، جنوب السودان، تنزانيا وموريتانيا. ورغم مشقة السفر، والبعد عن العائلات، والضغوط النفسية الهائلة، نجح "صقور الجديان" في تجاوز كل العقبات وانتزاع بطاقة العبور إلى النهائيات القارية.

وفي تصفيات كأس العالم 2026، قدّم المنتخب مستويات قوية، واحتل مركز الوصافة خلف منتخب السنغال، بينما خطفت جمهورية الكونغو الديمقراطية بطاقة الملحق العالمي بفارق ضئيل.


ابياه مدرب السودان 


أبياه ومهمة صناعة الأمل

المدرب الغاني جيمس كويسي أبياه لعب دورًا محوريًا في هذا الإنجاز، حيث حافظ على استقرار المجموعة نفسيًا وفنيًا، وحوّل الألم إلى دافع، والإحباط إلى طموح، والغياب عن الوطن إلى قوة داخل المستطيل الأخضر.

يقول هداف المنتخب محمد عبد الرحمن، الملقب بـ"الغربال"، في تصريحات لموقع الاتحاد الدولي لكرة القدم:

"عشنا ظرفًا إنسانيًا قاسيًا، لكننا حوّلنا هذه الحالة النفسية إلى دوافع إيجابية، وواصلنا العمل دون توقف من أجل الوصول إلى هدفنا."

الفرحة الممكنة في زمن الألم

بالنسبة للاعبي السودان، كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل وسيلة للبقاء النفسي، وجسر أمل لشعب يرزح تحت ثقل المأساة.



يؤكد الغربال:

"كنا نعلم أن كرة القدم هي الشيء الوحيد القادر على بث الفرح في قلوب السودانيين، ولذلك تماسكنا وسط كل هذه الظروف القاسية."

مجموعة نارية وتحدٍ أكبر

وضعت القرعة منتخب السودان في المجموعة الخامسة إلى جانب منتخبات الجزائر، بوركينا فاسو، وغينيا الاستوائية، في مجموعة تُعد من الأصعب بالبطولة، ويستهل مشواره بمواجهة قوية أمام الجزائر يوم الأربعاء.

ورغم صعوبة المهمة، يرفض اللاعبون فكرة "المشاركة فقط"، كما أكد مدافع الأهلي طرابلس الليبي:

"لسنا هنا من أجل الوجود الشكلي، بل من أجل مشاركة حقيقية تُسعد الشعب السوداني الصابر."



كرة القدم كرسالة حياة

في بلد مزقته الحرب، وتعثرت فيه السياسة، وتوقفت فيه عجلة الاقتصاد، تحولت كرة القدم إلى لغة حياة، وإلى نافذة أمل مفتوحة على المستقبل. منتخب السودان لا يلعب من أجل النقاط فقط، بل من أجل شعب كامل ينتظر لحظة فرح وسط ركام المعاناة.

وهكذا، يدخل "صقور الجديان" نهائيات كأس أفريقيا ليسوا مجرد فريق كرة قدم، بل قصة شعب، وصوت وطن، وراية أمل في سماء مظلمة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

You might like

Middle post ad 01